أبي منصور الماتريدي

233

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا خَساراً ، أي : بوارا وهلاكا لذلك المتبوع ، فكانت تلك النعم التي ظنوا أنهم أكرموا بها بصنيعهم سببا لخسارهم . ثم قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً كقوله : وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا [ التوبة : 85 ] ، ثم قد بينا تأويل شكايته إلى الله تعالى من قومه ، فهذه الآية وتلك الآيات في معنى تأويل الشكاية إلى الله تعالى - واحد . وقوله - عزّ وجل - : وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً . قال بعضهم : إنهم كانوا يمكرون ما يمكرون بألسنتهم ؛ حيث كانوا يدعونهم إلى الكفر والصد عن سبيل الله ، فكنى بالمكر عما قالوه بألسنتهم ، فكان ذلك مَكْراً كُبَّاراً ، أي : قولا عظيما . وجائز أن يكون على حقيقة المكر ، وهو أن رؤساءهم مكروا بأتباعهم حيث قالوا : إن هؤلاء لو كانوا أحق بالله تعالى منا ، لكانوا هم الذين يوسع عليهم ويضيق علينا ، فإذا وسع علينا وضيق عليهم ، ثبت أنا نحن الأولياء [ والأصفياء ] « 1 » دون غيرنا ، وهذا منهم مكر عظيم ؛ لأنه يأخذ قلوب أولئك فيصدهم عن سبيل الله تعالى . وجائز أن يكون مكرهم ما ذكر أنهم كانوا يأتون بأولادهم الصغار إلى نوح عليه السلام ، ويقولون لهم : إياكم واتباع هذا فإنه ضال مضل ، فكان هذا مكرهم بصغارهم . وقوله - عزّ وجل - : وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً . . . الآية . هذه المقالة منهم كانت بعد أن انقادت لهم الأتباع ، واتبعتهم إلى ما دعوهم إليه من عبادة الأصنام ، فقالوا بعد ذلك : لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ أي : لا تذرن عبادتها . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً . هي أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها . ثم يحتمل أن يكون الذي بعثهم على عبادة الأصنام ما ذكره أهل التفسير : أن قوم نوح - عليه السلام - اتخذوا هذه الأصنام أول ما اتخذوها على صورة رجال عباد كانت هذه الأسماء أسماءهم ، فسموا الأصنام بأسماء العباد ؛ ليعتبروا بها ، ويجتهدوا في العبادة إذا نظروا إليها ، فلما مضى ذلك القرن الذين اتخذوها عبرة وخلفهم قرن بعدهم ، قال لهم الشيطان : إن الذين من قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام ، فعبدوها .

--> ( 1 ) سقط في ب .